وهبة الزحيلي
275
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
و عن ابن عباس قال : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه : « إن الأحزاب سائرون إليكم تسعا أو عشرا » أي في آخر تسع ليال أو عشر . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم أيضا : « سيشتد الأمر باجتماع الأحزاب عليكم ، والعاقبة لكم عليهم » . وفي الآية دلالة على وجوب الثقة بوعد اللّه ورسوله ، وقوله تعالى : وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً دليل على زيادة الإيمان وقوته بالنسبة إلى الناس وأحوالهم ، كما قال جمهور الأئمة : إنه يزيد وينقص . وبعد بيان حال المنافقين أنهم نقضوا العهد الذي عاهدوا اللّه عليه لا يولون الأدبار ، وصف اللّه تعالى المؤمنين الذين استمروا على العهد والميثاق ، فوفوا بعهدهم الذي عاهدوا اللّه أنهم لا يفارقون نبيه إلا بالموت ، فقال : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ، وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا أي وهناك في مقابلة المنافقين جماعة من المؤمنين المخلصين الصادقين ، صدقوا العهد مع اللّه ، ووفوا بما عاهدوا عليه من الصبر في حال الشدة والبأس ، فمنهم من انتهى أجله واستشهد كيوم بدر وأحد ، ومنهم من ينتظر قضاء اللّه والشهادة وفاء بالعهد ، وما بدلوا عهدهم وما غيّروه ، بخلاف المنافقين الذين قالوا : لا نولي الأدبار ، فبدلوا قولهم وولوا أدبارهم . وقوله : قَضى نَحْبَهُ معناه قاتل فوفى بنذره ، والنحب : النذر . روى البخاري عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال : نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر رضي اللّه عنه : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ . و روى أحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس قال : « غاب عمي أنس بن النضر عن بدر ، فشقّ عليه ، وقال : أول مشهد شهده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم غبت عنه ، لئن أراني اللّه تعالى مشهدا فيما بعد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليرينّ اللّه عز وجل